بين حرية ملبورن وقيود نيودلهي، خيط رفيع من الحب يوشك أن ينقطع. عندما يصبح ثمن سعادتك هو حياة والدك، أي طريق ستختار؟ قصة عن الجسور التي لا تكتمل والقلوب التي تُدفن حية.
كانت السماء فوق ملبورن تبكي برتابة رمادية، قطرات المطر تنزلق على الواجهات الزجاجية الشاهقة لشركة "أركاديا" للهندسة المعمارية، وكأنها تحاول غسل المدينة من ذنوب لم تقترفها. خلف جدار زجاجي عازل للصوت، كانت "إيشا" تقف، تتأمل الانعكاس الباهت لوجهها الهندي الأسمر الممزوج بأضواء المدينة الغربية الباردة. في عينيها اللوزيتين، كان يترقرق حزنٌ عتيق، أقدم من الحضارة التي بنتها عائلتها في جيبور، وأثقل من الخرسانة التي تصممها هنا.
خلفها بمسافة آمنة، ولكنها حميمة بشكل مفرط، كان يجلس "ليام". الشاب الأسترالي ذو الشعر الأشقر الفوضوي والعيون التي تشبه المحيط في يوم صافٍ. كان يراقب انحناءة كتفيها بأسى صامت. لم يكن مجرد زميل عمل؛ كان هو النسمة التي تسللت إلى رئتيها المتعبتين من دخان البخور والتقاليد الصارمة. بدأت قصتهما في غرفة المخططات، بين أكوام من الورق الأزرق ورائحة القهوة السوداء. لم تكن قصة حب صاخبة، بل كانت نمواً بطيئاً وجذرياً كشجرة الكينا، تمد عروقها في أرض قاحلة.
"هل اتصلوا بكِ مجدداً؟" سأل ليام، صوته كان خشناً دافئاً يكسر الصمت المعقم للمكتب.
لم تلتفت إيشا، بل ضغطت جبينها على الزجاج البارد. "الأمر أسوأ هذه المرة، ليام. إنه ليس مجرد اتصال. لقد أرسلوا التذاكر. موعد الزفاف تحدد مع (راجيف). يقولون إن والدي يرفض تناول دواء القلب حتى أعود."
انتفض ليام من مقعده، وخطواته الثقيلة تردد صداها على الأرضية الخشبية المصقولة. وقف بجانبها، رائحته الممزوجة بالمطر والكولونيا الخفيفة تقتحم حواسها وتثير فيها رغبة عارمة في البكاء. "هذا ابتزاز عاطفي يا إيشا. أنتِ مهندسة بارعة، تعيشين في قارة أخرى، وتصنعين مستقبلك بيدك. لا يمكنهم سحبكِ كدمية خيوطها عبر المحيط."
التفتت إليه أخيراً، والدموع ترسم مسارات لامعة على وجنتيها. "أنت لا تفهم، ليام. في عالمكم، الفرد هو محور الكون. في عالمي، أنا لست سوى حلقة في سلسلة. إذا انكسرت الحلقة، تسقط العائلة بأكملها. أختي الصغرى لن تتزوج إذا شوهتُ سمعة العائلة. والدي قد يموت فعلاً من العار."
اقترب منها ليام، وبحركة متهورة ويائسة، أمسك بيديها الباردتين. كانت بشرته الفاتحة تباين بشرتها الحنطية بشكل صارخ وجميل، لوحة فنية لثقافتين تتصادمان. "إيشا، انظري إليّ. نحن نعمل على مشروع (الحدائق المعلقة) منذ ستة أشهر. أنتِ الروح في هذا التصميم. أنتِ من علمني أن المباني يجب أن تتنفس. إذا غادرتِ الآن، ستختنقين هناك. وأنا... أنا سأختنق هنا وحدي."
مرت الأيام التالية ثقيلة كالكوابيس. كانت إيشا تعيش في عالمين منفصلين؛ نهاراً في المكتب، حيث تسرق لحظات من الدفء والضحكات المكتومة مع ليام، يخططان لهروب مجازي، وليلاً في شقتها الموحشة، حيث تواجه شاشة الهاتف التي تنقل لها صوراً من الهند: وجه أمها الشاحب، وصوت أبيها المتهدج الذي يقرأ عليها نصوصاً دينية عن طاعة الوالدين وعقوق الأبناء.
في ليلة شتوية عاصفة، دعاها ليام إلى منزله الريفي خارج المدينة. كان الموقد مشتعلاً، والموسيقى الكلاسيكية تملأ الفراغ. لأول مرة، سمحت إيشا لنفسها بالانهيار. خلعت درع الفتاة الهندية المطيعة. رقصت معه في ضوء النار الخافت، رقصة وداع صامتة. كانت تلمس وجهه وكأنها تحفظ تضاريسه لزمن قادم من العتمة. همس لها بوعود الحماية، بأنه سيقف في وجه عائلتها، بأنه سيحارب العالم لأجلها. وفي تلك اللحظة، صدقته. للحظة واحدة، آمنت أن الحب أقوى من الدم.
لكن الواقع كان يتربص عند عتبة الباب. في صباح اليوم التالي، وصلتها رسالة نصية. لم تكن كلمات، بل كانت صورة. صورة لأبيها في العناية المركزة، موصولاً بأجهزة التنفس، وتحتها جملة واحدة من أمها: "لقد سمع الشائعات عن الرجل الأسترالي. دمه في رقبتك."
تسمرت إيشا في مكانها. شعرت ببرودة تسري في عروقها تجمد كل ذرة حب، كل ذرة أمل. لم يكن مجرد تهديد؛ كان حكماً بالإعدام على روحها. نظرت إلى ليام النائم بسلام، ووجهه يعكس براءة من لا يحمل إرث آلاف السنين من القيود. أدركت حينها أن بقاءها معه يعني قتله ببطء من خلال ذنبها، ويعني قتل عائلتها فعلياً.
لم توقظه. كتبت رسالة قصيرة على ورقة المخطط الهندسي الذي كانا يعملان عليه سوياً. لم تذرف دمعة واحدة؛ فقد جف الدمع وحل محله رماد اليأس. حزمت حقيبتها الصغيرة، وتركت وراءها كل شيء: ملابسها الغربية، كتبها، وعطرها الذي كان يحبه.
في المطار، كانت إيشا تتحرك كشبح. الحجاب الذي وضعته على رأسها لم يكن لستر شعرها، بل لستر هويتها الممزقة. عندما نادى الموظف على الرحلة المتجهة إلى نيودلهي، ألقت نظرة أخيرة على أرض أستراليا من النافذة. كانت الشمس تشرق، تنير القارة التي ذاقت فيها طعم الحرية للحظات، ولكن الضوء انكسر على الزجاج، تماماً كما انكسرت هي.
استيقظ ليام ليجد السرير بارداً. بحث عنها في كل زاوية، ينادي اسمها بصوت يملؤه الفزع. ثم وجد الورقة على الطاولة. كانت تحتوي على رسم تخطيطي لجسر غير مكتمل، ينتهي في منتصف الهاوية، وتحته جملة واحدة بخط يد مرتعش: "بعض الجسور لا يمكن بناؤها يا ليام، لأن الأرض تحتها ليست صلبة بما يكفي. سامحني، فأنا أعود لأُدفن حية لكي يعيشوا هم."
مرت سنوات. أصبح ليام معمارياً مشهوراً، لكن تصاميمه تغيرت. أصبحت مبانيه كلها تتميز بالزجاج الداكن والمساحات المغلقة التي تبحث عن الضوء ولا تجده. في مكتبه الفاخر، يعلق لوحة واحدة لا يبيعها أبداً: رسم تخطيطي لجسر مقطوع. أما في الهند، في منزل تقليدي خانق، تجلس امرأة بملابس الساري الفاخرة، تهز مهداً لطفل لا يحمل ملامحها، وعيناها مثبتتان على النافذة، لا ترى الشارع المزدحم، بل ترى مطراً يهطل بصمت على زجاج ناطحة سحاب في ملبورن، حيث تركت قلبها ينبض وحده للأبد.
