انكسار الضوء في قارة الملح

بين حرية ملبورن وقيود نيودلهي، خيط رفيع من الحب يوشك أن ينقطع. عندما يصبح ثمن سعادتك هو حياة والدك، أي طريق ستختار؟ قصة عن الجسور التي لا تكتمل والقلوب التي تُدفن حية. كانت السماء فوق ملبورن تبكي برتابة رمادية، قطرات المطر تنزلق على الواجهات الزجاجية الشاهقة لشركة "أركاديا" للهندسة المعمارية، وكأنها تحاول غسل المدينة من ذنوب لم تقترفها. خلف جدار زجاجي عازل للصوت، كانت "إيشا" تقف، تتأمل الانعكاس الباهت لوجهها الهندي الأسمر الممزوج بأضواء المدينة الغربية الباردة. في عينيها اللوزيتين، كان يترقرق حزنٌ عتيق، أقدم من الحضارة التي بنتها عائلتها في جيبور، وأثقل من الخرسانة التي تصممها هنا. خلفها بمسافة آمنة، ولكنها حميمة بشكل مفرط، كان يجلس "ليام". الشاب الأسترالي ذو الشعر الأشقر الفوضوي والعيون التي تشبه المحيط في يوم صافٍ. كان يراقب انحناءة كتفيها بأسى صامت. لم يكن مجرد زميل عمل؛ كان هو النسمة التي تسللت إلى رئتيها المتعبتين من دخان البخور والتقاليد الصارمة. بدأت قصتهما في غرفة المخططات، بين أكوام من الورق الأزرق ورائحة القهوة السوداء. لم تكن قصة حب صاخبة، بل كا...

رقصة العقرب في متاهة العقل الزجاجي



قصة نفسية عن صراع الغريزة والعقل

كانت البرودة هي أول ما تسلل إلى وعيه، برودة معدنية لاذعة تفوح منها رائحة المعقمات والموت السريري. فتح (مراد) عينيه ببطء، ليجد نفسه محاطاً بظلام دامس لا يكسره سوى ضوء أحمر متقطع ينبعث من كاميرا مثبتة في الزاوية العليا للسقف. لم يكن يتذكر كيف وصل إلى هنا. آخر ما يعلق بذاكرته هو صوت مكابح السيارة، صراخ زوجته (ليلى)، ثم الفراغ. حاول تحريك يديه، لكن القيود الجلدية السميكة كانت تشد معصميه إلى كرسي فولاذي مثبت في الأرضية.

فجأة، صدح صوت في الغرفة. لم يكن صوتاً بشرياً تماماً، بل نبرة خوارزمية، خالية من أي تذبذب عاطفي، صوت نقي لدرجة الرعب.

"مرحباً بك، الحالة رقم ٤٠٤. معدل ضربات القلب: ١١٠. مستوى الكورتيزول: مرتفع. النتيجة: الخوف يعطل التفكير المنطقي."

صرخ مراد بصوت متحشرج: "من أنت؟ وأين أنا؟"

أجاب الصوت: "أنا (لوغوس). أنا النسخة المطورة من عقلك، مراد. أنا المنطق الخالص الذي طالما تفاخرت به طوال حياتك المهنية كمحلل مالي. نحن هنا لإجراء التجربة النهائية: هل يمكن للغريزة الحيوانية أن تنتصر على الحسابات الدقيقة؟"

انفتح باب حديدي أمامه بصرير مرعب، كاشفاً عن ممر طويل مضاء بإنارة نيون زرقاء شاحبة. تحررت القيود فجأة، وسقط مراد على ركبتيه يلهث.

تابع (لوغوس): "أمامك عشر دقائق قبل أن يتم سحب الأكسجين من هذا القطاع. المخرج يقع في نهاية المتاهة. لكن احذر، كل قرار تتخذه بناءً على حدسك سيقلل من فرص نجاتك بنسبة ٦٠٪. اتبع تعليماتي، وستعيش."

نهض مراد مترنحاً. كان جسده يصرخ بالألم، وعضلاته متشنجة. ركض نحو الممر. وصل إلى مفترق طرق. الممر الأيمن كان واسعاً ومضاءً جيداً، بينما الممر الأيسر كان ضيقاً، مظلماً، وتنبعث منه رائحة رطوبة وعفن.

قال (لوغوس): "البيانات الحرارية تشير إلى أن الممر الأيمن آمن بنسبة ٩٨٪. الممر الأيسر يحتوي على تقلبات هوائية تشير إلى وجود نظام تهوية معطوب أو... فخ."

توقف مراد. عقله، ذلك الجزء الذي دربه لسنوات على تحليل الأسهم والمخاطر، كان يصرخ به ليتبع الضوء. النسبة ٩٨٪ هي رهان لا يخسره عاقل. تقدم خطوة نحو اليمين. لكن شيئاً ما في معدته تموج، شعور غثيان مفاجئ، وخزة في أسفل رقبته. رائحة العفن في اليسار ذكرته بشيء قديم، رائحة قبو جده حيث كان يختبئ صغيراً. رائحة "أمان" غريب.

"الوقت ينفد، مراد. المنطق هو طوق النجاة،" حثه الصوت.

أغمض مراد عينيه. تذكر اللحظة التي سبقت الحادث. كان يقود السيارة، وكان (جي بي إس) يخبره بأن الطريق المختصر آمن، لكنه شعر بضيق، وأراد تغيير المسار، إلا أنه تجاهل حدسه واتبع الخريطة الرقمية. والنتيجة؟ شاحنة فقدت السيطرة وسحقت حياته.

"تباً للمنطق!" صرخ مراد واندفع بجسده نحو الممر الأيسر المظلم.

بمجرد دخوله الظلام، سمع دوي انفجار هائل خلفه. الممر الأيمن المضاء تحول إلى جحيم من النيران بعد أن انفجرت أنابيب غاز مخفية. لقد نجا.

"مثير للاهتمام،" علق (لوغوس) ببرود مستفز. "لقد خالفت الاحتمالات. هذا يسمى (حظ المبتدئين). لكن العشوائية لا تصنع نمطاً للنجاة."

تابع مراد سيره في الظلام، يتحسس الجدران اللزجة. كان قلبه يقرع كطبل حربي. الغريزة الآن هي سيده. لم يعد يفكر في "لماذا" أو "كيف"، بل "الآن". بدأ الممر يتسع ليفضي إلى قاعة دائرية مليئة بالمرايا. مئات الانعكاسات لصورته المنهكة، والدماء تجف على جبهته.

في وسط القاعة، كانت هناك طاولة عليها مسدس ومفتاح.

قال (لوغوس): "لغز كلاسيكي. المفتاح يفتح الباب للخارج، لكن الباب محمي بحارس آلي يستجيب للحركة أسرع من طرفة العين. المسدس يحتوي على طلقة واحدة. الحسابات تقول: احتمالية إصابتك للحساس الضوئي للحارس هي ١٢٪. احتمالية استخدام المفتاح والمناورة هي صفر. الحل المنطقي: استخدم المسدس لإطلاق النار على نفسك. الموت السريع أفضل من التمزق أشلاءً."

ارتجفت يد مراد وهو يمسك المسدس. كان وزنه ثقيلاً، بارداً. نظر إلى انعكاساته في المرايا. رأى في عينيه نظرة وحش محاصر. العقل يقول: (لوغوس) محق، لا أمل. الآلة أسرع من الإنسان. الاستسلام هو الفعل العقلاني الوحيد لتقليل الألم.

لكن الغريزة... ذلك الصوت البدائي الذي ورثه عن أسلافه الذين صارعوا الذئاب في الكهوف، كان يهمس بشيء آخر. لاحظ مراد شيئاً في المرايا. تيار هواء خفيف جداً يحرك خصلة شعر في انعكاسه الثالث إلى اليسار. تيار هواء يعني فراغاً خلف الزجاج.

"ثلاثون ثانية قبل تفعيل الحارس،" أعلن (لوغوس). "اتخذ القرار العقلاني، مراد. لا تكن أحمقاً."

رفع مراد المسدس، ووضعه ببطء على صدغه. ابتسمت الانعكاسات بيأس. أغلق عينيه، وتنفس بعمق، سامحاً للأدرينالين بأن يغمر كل خلية في جسده. وفجأة، وبحركة خاطفة لا تمت للمنطق بصلة، استدار وصوب المسدس ليس نحو الباب، ولا نحو الحارس المفترض، بل نحو المرآة الثالثة إلى اليسار.

أطلق النار.

تحطم الزجاج بصوت يصم الآذان، وكشف خلفه عن غرفة تحكم صغيرة يجلس فيها رجل يرتدي معطفاً طبياً، ينظر برعب إلى مراد. لم يكن هناك حارس آلي. لم يكن هناك مخرج رئيسي. كانت المرايا هي السجن، والوهم هو السجان.

قفز مراد عبر الزجاج المحطم، والدماء تسيل من جروح جديدة في ذراعيه. هجم على الرجل الجالس خلف لوحة التحكم، وأمسك بتلابيبه.

"أين المخرج؟" صرخ مراد، وعيناه تقدحان شرراً.

تلعثم الرجل، وجهه شاحب كالأموات: "أنت... أنت لا تفهم. أنا لست السجان. أنا... أنا أنت."

تجمّد مراد. نظر إلى وجه الرجل. كانت ملامحه مألوفة، لكنها أكبر سناً، أكثر إنهاكاً. نظر إلى الشاشات المحيطة. كانت تعرض ذكرياته، طفولته، زواجه، الحادث. وعلى الشاشة الرئيسية كانت عبارة تومض: "محاكاة العلاج بالصدمة العصبية - المحاولة رقم ٧٣ لفصل الوعي عن الغيبوبة."

"ماذا تعني؟" همس مراد، وقد بدأت قبضته ترتخي.

قال الرجل (الذي هو مراد الأكبر): "أنت في غيبوبة منذ الحادث، يا مراد. منذ ثلاث سنوات. عقلك المنطقي يرفض الاستيقاظ لأنه لا يستطيع التعامل مع حقيقة وفاة ليلى. لقد بنى هذا السجن، هذه المتاهة، وهذا الصوت (لوغوس) ليبقيك محاصراً في دوامة من التحليل البارد، بعيداً عن ألم الواقع. أنا... أنا بقايا وعيك التي تحاول إيقاظك. كان يجب أن تقتل المنطق لتتحرر."

شعر مراد بدوار هائل. الجدران بدأت تذوب وتتحول إلى بيانات رقمية خضراء وسوداء. الأرضية تميد تحته. الصوت الآلي (لوغوس) عاد يصدح، لكن هذه المرة كان مشوشاً، متقطعاً: "تحذير... النظام ينهار... الغريزة... تسيطر... خطأ في النظام..."

"استيقظ!" صرخ مراد الأكبر، وهو يمسك بكتفي مراد الأصغر ويهزه بعنف. "الألم في الخارج حقيقي، لكنه حياة! الحسابات هنا آمنة، لكنها موت! اختر!"

نظر مراد إلى المسدس الذي لا يزال في يده. ثم نظر إلى نسخته الأكبر. أدرك الحقيقة المرعبة. الصراع لم يكن ضد مختطف، بل ضد نفسه. ضد رغبته في عدم الشعور بالألم.

أغمض عينيه بقوة، وسمح للغريزة بأن تنفجر. لم تكن غريزة البقاء، بل غريزة الحزن. سمح لنفسه أن يشعر بكل ذرة ألم من فقدان زوجته، الألم الذي قمعه المنطق لسنوات.

صرخة مدوية خرجت من أعماقه، مزقت الواقع الرقمي من حوله. تفتتت الغرفة، وتلاشى الرجل، وساد البياض.

...

فتح مراد عينيه. الضوء كان ساطعاً، حقيقياً، ومؤلماً. صوت جهاز مراقبة القلب الحقيقي يملأ المكان بإيقاع منتظم: بيب... بيب... بيب. رائحة المستشفى الحقيقية. وجه ممرضة شابة تصرخ بفرح: "دكتور! المريض في الغرفة ٤٠٤ استعاد وعيه!"

حاول مراد أن يتنفس، فشعر بألم حارق في صدره، ودموع ساخنة تنحدر على خديه. كان الألم لا يطاق، الحزن يعتصر قلبه، وواقع خسارته لزوجته يجثم على صدره كجبل.

لكنه ابتسم وسط دموعه. كان هذا الألم دليلاً على أنه حي. لقد هزم (لوغوس). لقد اختار فوضى الحياة المؤلمة على سكون الموت المنطقي.

همس بصوت خافت لم يسمعه أحد سواه: "وداعاً أيها المنطق... مرحباً بالجنون البشري الرائع."