غسق المخمل المربوط (قصة للكبار)

خلف الحرير الأسود تسكن رغبات لا يجرؤ أحد على البوح بها. هل تجرؤ على دخول الغرفة المظلمة حيث الصمت يتحدث والقيود تحرر؟ كانت ليلى تُعرف في أوساط الجامعة بأنها «الفتاة التي لا تُمسك». ليست جميلة بالمعنى الكلاسيكي المُرهف، بل بجمالٍ حادّ، كأن وجهها نُحت من زاوية حادة وغضبٍ مكبوت. عيناها سوداوان عميقتان، وشفتاها ممتلئتان بطريقة تجعل الكثيرين يتساءلون عن طعمها دون أن يجرؤوا على السؤال بصوتٍ عالٍ. كانت تعمل في النهار مساعدة بحث في قسم علم الاجتماع، وفي الليل... لا أحد يعرف بالضبط. لكن الجميع يشمّ رائحة سرٍّ ثقيلة تتبعها كعطرٍ غير مرئي. في إحدى الليالي الرطبة من أواخر الخريف، تلقت رسالة على تطبيق مشفر لا يحمل اسماً: «أعرف أين كنتِ ليلة الثلاثاء الماضي. الغرفة 417، فندق البارون. الساعة 2:47 صباحاً. الباب لم يُغلق جيداً.» لم تكن مذعورة. الخوف كان قد مات فيها منذ زمن. لكن الفضول... الفضول كان لا يزال حياً ويتألم. ردّت برسالة واحدة: «وماذا تريد؟» الجواب جاء بعد ثلاث دقائق: «أريد أن أشاهدكِ وأنتِ تفعلين ما تفعلينه... لكن هذه المرة، أنا من يختار القواعد.» كان الاسم المستعار: ظلّ. في الأسابيع التالي...

سيمفونية الرماد والكرز (قصة للكبار)

عندما يقرر العشاق استبدال العتاب بلغة الأجساد، تشتعل الحرائق حتى تحت المطر. ليلة واحدة كانت كافية لمحو كل المسافات، حيث الصراخ ليس ألماً، والهمس أشد وطأة من الرعد.



كانت السماء فوق بيروت تلك الليلة تتقيأ غضباً أسود، رعوداً تشق أحشاء الغيم، وبرقاً يخطف الأبصار ليعري زجاج الشرفة العريضة في شقة "نور" المعلقة في الطابق العشرين. لم تكن العاصفة في الخارج سوى صدى باهت للفوضى التي كانت تجتاح دمائها منذ أن وصلتها تلك الرسالة النصية القصيرة: "أنا في الأسفل.. افتحي الباب".

وقفت نور أمام المرآة الطولية، تتفحص انعكاسها بعيون ذابلة من فرط الانتظار ومتقدة بنار الرغبة في آن واحد. كان الثوب الحريري العنابي ينزلق على تضاريس جسدها كأنه ماء سائل، يكشف عن انحناءة عنقها وعظم الترقوة البارز بجرأة محسوبة. لطالما كانت تعرف كيف تستخدم جسدها كسلاح، لكن الليلة، المعركة كانت مختلفة. الليلة، الخصم هو "حليم".

عندما رن جرس الباب، لم تمشِ إليه؛ بل شعرت أن الأرض هي التي سحبتها نحو المصير. فتحت الباب، ولفحتها رائحة المطر المختلطة بعبق التبغ الفاخر وعطر العود الثقيل الذي يميزه. كان واقفاً هناك، مبللاً، وشعره الأسود الكثيف يقطر ماءً على ياقة قميصه الأبيض المفتوح، مما جعله يلتصق بصدره العريض كجلد ثانٍ.

لم ينطق بكلمة. دخل وأغلق الباب خلفه بقدمه، وعيناه تلتهمان المسافة بينهما. كان الصمت بينهما مشحوناً بكهرباء تكاد تكون مسموعة، كوتر كمان مشدود إلى نقطة الانقطاع. اقترب منها بخطوات بطيئة، مدروسة، كحيوان مفترس يحاصر فريسة لا ترغب في الهرب.

"ظننتك لن تأتي.." همست نور، وصوتها يخرج مبحوحاً، خائناً لثباتها المصطنع.

لم يجيء الجواب بالكلمات. مد حليم يده الخشنة والباردة من أثر المطر، ليمسك بفكها برفق حازم، رافعاً وجهها ليقابل عينيه اللتين تشتعلان برغبة مظلمة. "وكيف لا آتي؟ وأنتِ تصرخين بي في صمتك منذ شهرين؟".

انقض على شفتيها بقبلة لم تكن استئذاناً بل غزواً. كانت قبلة بطعم المطر والملح والجوع القديم. تلاحمت الشفاه في صراع محموم، حيث اختفت الحدود بين الأخذ والعطاء. فتحت نور فمها لتستقبل لسانة الذي اقتحمها بجرأة، يذيقها طعم الهيمنة، بينما تغلغلت أصابعها في شعره المبلل، تشده إليها بقوة كأنها تريد إغراق نفسها فيه.

حملها. لم تشعر بوزنها وهي ترتفع عن الأرض، لفّت ساقيها العاريتين حول خصره تلقائياً، وشعرت بصلابة عضلاته تحت القماش الرطب. سار بها نحو غرفة النوم، حيث الإضاءة الخافتة ترسم ظلالاً راقصة على الجدران. رماها على السرير الوثير، ولحق بها فوراً، لا يريد أن يترك للهواء مجالاً ليتسلل بينهما.

بدأت طقوس التجريد. لم يكن خلع الملابس مجرد تعرٍ، بل كان انتزاعاً للواقع. مزق أزرار قميصه لتظهر عضلات صدره المتلاحقة مع أنفاسه اللاهثة. وعندما امتدت يده لتمزيق حمالة ثوبها الحريري، انتفض جسد نور برعشة لذيذة سرت من أسفل ظهرها حتى أطراف أصابعها. انزلق الحرير ليكشف عن بياض بشرتها الذي توهج في عتمة الغرفة.

"أنتِ لوحة.." تمتم حليم بصوت أجش وهو يدفن وجهه في منحنى عنقها، يطبع قبلات حارقة، رطبة، وعنيفة، تاركاً آثاراً حمراء ستشهد في الصباح على جنون هذه الليلة. "وأنا الليلة سأعيد رسمك بأصابعي".

تحركت يده الكبيرة لتستكشف تضاريسها بوقاحة عاشق يملك حق الملكية. من نتوء نهدها الذي تصلب تحت لمسته، مروراً بخصرها المنحوت، وصولاً إلى فخذيها اللذين انفرجا طواعية لاستقباله. كانت لمساته خشنة لكنها تحمل حناناً مدمراً، تثير فيها آهات مكتومة تحولت سريعاً إلى تنهدات عالية تملأ الغرفة.

وعندما التحم الجسدان، توقف الزمن. لم يعد هناك خارج أو داخل، فقط حرارة الجلد على الجلد، وصوت الأنفاس المتكسرة. ولج فيها ببطء معذب في البداية، يريد أن يرى توسع حدقتيها، وأن يسمع اسمها يخرج من بين شفتيها كصلاة استغائة. كان الامتلاء ساحقاً، شعوراً بالكمال الذي يلامس حد الألم.

"انظري إلي.." أمرها بصوت لاهث وهو يبدأ التحرك بإيقاع متصاعد. "لا تغمضي عينيك.. أريدك أن تري من يمتلكك الآن".

تحول الإيقاع من حركات بطيئة وعميقة تستهدف أعمق نقاط أنوثتها، إلى ضربات سريعة ومتلاحقة. كان كل دفع لجسده يرسل موجات من الكهرباء عبر عمودها الفقري. تشبثت بظهره، تحفر أظافرها في جلده، تترك علاماتها عليه بينما يرتفع صراخها متناغماً مع صوت الرعد في الخارج.

كان العرق يتصبب منهما، يختلط ليصنع عطراً خاصاً بهما، عطر الشهوة الخام. مالت نور برأسها للخلف، كاشفة عن عنقها له، فاستغل الفرصة ليعضه بخفة، ممتصاً نبضها المتسارع، بينما زادت وتيرة حركاته، أصبح أعنف، وأسرع، وأكثر إلحاحاً.

"حليم.. أرجوك.." توسلت، لا تدري إن كانت تطلب منه التوقف أم الاستمرار إلى الأبد. كانت الأحاسيس تتراكم في أسفل بطنها ككرة من النار توشك على الانفجار. وشعر هو بقربها، فزاد من ضغطه، يطحن وركيها بيده، ويدفع بنفسه إلى أقصى عمق ممكن، ليلامس روحها قبل جسدها.

انفجرت الرعشة فيهما معاً، كبركان خامد قرر أن يثور دفعة واحدة. تشنج جسد نور، وأطلقت صرخة عالية ابتلعها فمه بقبلة عميقة، بينما فرغ حليم كل توتره ورغبته وجنونه داخلها، يرتجف بشدة فوقها، ويسقط ثقله عليها بالكامل، كأنه يستسلم للموت الصغير.

ساد الصمت الغرفة، إلا من صوت أنفاسهم اللاهثة التي بدأت تتباطأ تدريجياً، وصوت المطر الذي بدا الآن كلحن هادئ يغسل العالم في الخارج. بقيا متشابكين، أطرافهم متداخلة كجذور شجر معمر، لا يعرف أحدهم أين ينتهي جسده ويبدأ جسد الآخر.

مرر حليم يده ببطء على شعرها المبعثر، ومسح حبة عرق عن جبينها، ثم همس بصوت يقطر تعباً ونشوة: "هذه البداية فقط.. فالليل لا يزال طويلاً، وجوعي لكِ لا يسده لقاء واحد".

ابتسمت نور، وعيناها مغمضتان، تذوق طعم الانتصار والاستسلام في آن واحد، مدركة أن هذه الليلة ستكون وشماً محفوراً في ذاكرة جسدها للأبد.