انكسار الضوء في قارة الملح

بين حرية ملبورن وقيود نيودلهي، خيط رفيع من الحب يوشك أن ينقطع. عندما يصبح ثمن سعادتك هو حياة والدك، أي طريق ستختار؟ قصة عن الجسور التي لا تكتمل والقلوب التي تُدفن حية. كانت السماء فوق ملبورن تبكي برتابة رمادية، قطرات المطر تنزلق على الواجهات الزجاجية الشاهقة لشركة "أركاديا" للهندسة المعمارية، وكأنها تحاول غسل المدينة من ذنوب لم تقترفها. خلف جدار زجاجي عازل للصوت، كانت "إيشا" تقف، تتأمل الانعكاس الباهت لوجهها الهندي الأسمر الممزوج بأضواء المدينة الغربية الباردة. في عينيها اللوزيتين، كان يترقرق حزنٌ عتيق، أقدم من الحضارة التي بنتها عائلتها في جيبور، وأثقل من الخرسانة التي تصممها هنا. خلفها بمسافة آمنة، ولكنها حميمة بشكل مفرط، كان يجلس "ليام". الشاب الأسترالي ذو الشعر الأشقر الفوضوي والعيون التي تشبه المحيط في يوم صافٍ. كان يراقب انحناءة كتفيها بأسى صامت. لم يكن مجرد زميل عمل؛ كان هو النسمة التي تسللت إلى رئتيها المتعبتين من دخان البخور والتقاليد الصارمة. بدأت قصتهما في غرفة المخططات، بين أكوام من الورق الأزرق ورائحة القهوة السوداء. لم تكن قصة حب صاخبة، بل كا...

جريمة الصمت: حين يرتدي العار ثوب الوجاهة

قصة اجتماعية من الخليج عن سر هزّ عائلة كاملة


قصة اجتماعية من الخليج عن سر هزّ عائلة كاملة

في تلك الليلة الشتوية الثقيلة، لم يكن صوت المطر هو الوحيد الذي يقرع نوافذ قصر "العبداللطيف" المنيف في أحد أحياء العاصمة الراقية. كان صوت جهاز التنفس الصناعي في الغرفة العلوية يضبط إيقاع الرعب في قلوب الجميع. الحاج "عبدالرحمن"، عميد الأسرة والرجل الذي بنى إمبراطورية عقارية من العدم، كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. رائحة العود الكمبودي المعتق كانت تحاول عبثاً التغطية على رائحة الموت والمعقمات التي ملأت الجناح الملكي.

كانت "سارة"، ابنته الصغرى ذات الثلاثين ربيعاً، تجلس في الزاوية المعتمة من المكتب الملحق بغرفة والدها. لم تكن تبكي كأختيها الكبريين، ولا تتبادل الهمس حول الميراث كأخويها "فهد" و"خالد". كانت سارة، المختصة في علم النفس السلوكي، تراقب الوجوه. كانت ترى ما خلف الأقنعة. لطالما شعرت أن جدران هذا القصر تخفي شيئاً أثقل من الإسمنت والحديد، شيئاً يفسر نوبات الفزع الليلي التي كانت تصيب والدها في سنواته الأخيرة، وتمتماته باسم "نورة" كلما اشتدت عليه الحمى.

"نورة".. الاسم الذي لم يكن موجوداً في شجرة العائلة المعلنة. العمة المنسية؟ أم قصة حب قديمة؟

بينما كان الأطباء يحاولون إنعاش قلب الأب للمرة الثالثة، تسللت سارة إلى الخزنة الحديدية القديمة المخفية خلف لوحة زيتية ضخمة للخيول العربية. لطالما حذرهم الأب من الاقتراب منها، قائلاً إنها تحوي "سندات شرف" لا تقدر بثمن. لكن الليلة، سقطت كل الممنوعات. كانت تعرف الرقم السري؛ تاريخ ميلادها هي، ابنته المفضلة.

فتحت الخزنة بصرير خافت. لم تجد سبائك ذهبية ولا عقود أراضٍ كما توقعت. وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً تفوح منه رائحة الرطوبة والقدم. بداخل الصندوق، كانت هناك رزمة رسائل ورقية مصفرة، وملف طبي مختوم بختم مستشفى للأمراض العقلية يعود تاريخه لأربعين عاماً مضت. وصورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود لامرأة تشبه سارة حد التطابق، لكن نظراتها كانت تحمل انكساراً لا قاع له.

بدأت تقرأ، وتجمد الدم في عروقها. لم تكن نورة عشيقة، ولا زوجة سرية. كانت نورة هي الأخت الشقيقة لعبدالرحمن.. عمتها التي قيل لهم إنها ماتت بمرض عضال وهي صبية.

الوثائق كانت تحكي قصة جريمة متكاملة الأركان، جريمة ارتُكبت باسم "الستر" و"الحفاظ على الحلال". الرسائل كانت بخط يد نورة، مرسلة من داخل مصحة نفسية نائية. كانت تستجدي أخاها: "يا عبدالرحمن، خذ الورث، خذ الأرض، خذ الذهب، بس طلعني من هنا. أنا لست مجنونة. أنت تعرف أنني لست مجنونة. أنت من وضعتني هنا لأنني رفضت التنازل لك عن حقي الشرعي في ورث أبينا".

الوثيقة الأخرى كانت تقريراً طبياً مزوراً ــ دفع ثمنه عبدالرحمن بسخاء لطبيب فاسد ــ يشخص نورة بـ "الهوس الحاد" و"عدم الأهلية العقلية"، مما مكنه من فرض الوصاية عليها، والاستيلاء على نصيبها الضخم من الأراضي التي أصبحت فيما بعد حجر الزاوية لإمبراطوريته الحالية. لقد بنى مجدهم ورفاهيتهم، وسياراتهم الفارهة، وشهاداتهم العليا، على جثة أخته الحية التي ماتت قهراً ووحدة في زنزانة بيضاء باردة قبل عشر سنوات فقط.

شعرت سارة بغثيان شديد. نظرت إلى يديها، بدت لها وكأنها ملطخة بدماء غير مرئية. كل لقمة أكلتها، كل فستان ارتدته، كان مسروقاً من تلك المرأة في الصورة.

في تلك اللحظة، دخل "فهد"، الأخ الأكبر والمدير التنفيذي للشركة. رأى الصندوق المفتوح، وشحب لونه. لم يسأل عما وجدته، بل أغلق الباب بسرعة وعيناه تلمعان بمزيج من الخوف والغضب.
"أعطني الأوراق يا سارة"، قالها بصوت مبحوح ولكنه آمر.

"أنت كنت تعرف؟" سألته سارة بصوت يرتجف، وهي تتراجع للخلف.

"كلنا نعرف.. أنا وخالد والوالدة"، اعترف فهد ببرود مرعب، وكأنه يتحدث عن صفقة تجارية خاسرة، "الوالد الله يرحمه فعل ما كان يجب فعله. عمتك نورة كانت ستضيع الثروة، كانت ستتزوج غريباً وتخرج المال من العائلة. الوالد حمى العائلة. حمانا جميعاً."

"حماكم بدفنها وهي حية؟!" صرخت سارة، صوتها اخترق الهدوء الجنائزي للقصر، "هذا ليس مالنا.. هذا مال حرام! نحن نعيش في كذبة!"

اقترب فهد منها، ونزع الأوراق من يدها بقوة، ثم أخرج ولاعته الفضية الفاخرة. "اسمعي يا دكتورة.. الوالد الآن يلفظ أنفاسه. إذا خرجت هذه القصة، لن نخسر المال فقط. سنخسر سمعتنا، مكانتنا، ونظرة المجتمع لنا. هل تريدين أن يقال عن أبيكِ إنه سارق ومزور وظالم لأخته؟ هل تريدين تدمير مستقبل أبناء أخيك؟"

اشتعلت النار في طرف الرسالة القديمة. رأت سارة كلمات نورة وهي تحترق وتتحول إلى رماد أسود يتناثر على السجاد الفارسي الفاخر. كانت تشاهد التاريخ يُعاد كتابته أمام عينيها. القوي يكتب التاريخ، والضعيف يصبح مجرد رماد.

"لقد ماتت نورة"، قال فهد وهو يدوس على بقايا الورق المحترق بحذائه الجلدي اللامع، "والآن سيموت الوالد بطلاً عصامياً ومحسناً كبيراً. وأنتِ... ستظلين الابنة البارة التي ستحافظ على تماسك هذه العائلة. هذا هو دورك."

في تلك اللحظة، توقف صوت جهاز التنفس في الغرفة المجاورة. علا صراخ النساء وبكاء الأم. مات عبدالرحمن. خرج فهد مسرعاً ليمثل دور الابن الأكبر المفجوع، تاركاً سارة وحدها مع رائحة الورق المحترق التي اختلطت برائحة الموت.

نظرت سارة إلى المرآة الطويلة في المكتب. رأت وجه عمتها نورة يحدق فيها من خلال انعكاسها. أدركت حينها أن السجن ليس بالضرورة أن يكون جدرانًا مبطنة في مصحة عقلية. السجن الحقيقي هو هذا القصر، وهذا الصمت، وهذا اللقب العائلي الذي بات يثقل كاهلها كصخرة. لقد ورثت المال، نعم، لكنها ورثت معه لعنة الصمت، وشريكاً في جريمة لم ترتكبها، لكنها الآن... بتسترها... أصبحت جزءاً منها.

خرجت سارة من الغرفة، ومسحت دموعها، ليس حزناً على أبيها، بل حزناً على براءتها التي احترقت مع تلك الرسائل. في العزاء، وقفت تتقبل التعازي في "الرجل الصالح"، بينما كان صدى صوت عمتها نورة يتردد في رأسها، ضحكة مجنونة ساخرة تملأ القاعة ولا يسمعها أحد غيرها.