انكسار الضوء في قارة الملح

بين حرية ملبورن وقيود نيودلهي، خيط رفيع من الحب يوشك أن ينقطع. عندما يصبح ثمن سعادتك هو حياة والدك، أي طريق ستختار؟ قصة عن الجسور التي لا تكتمل والقلوب التي تُدفن حية. كانت السماء فوق ملبورن تبكي برتابة رمادية، قطرات المطر تنزلق على الواجهات الزجاجية الشاهقة لشركة "أركاديا" للهندسة المعمارية، وكأنها تحاول غسل المدينة من ذنوب لم تقترفها. خلف جدار زجاجي عازل للصوت، كانت "إيشا" تقف، تتأمل الانعكاس الباهت لوجهها الهندي الأسمر الممزوج بأضواء المدينة الغربية الباردة. في عينيها اللوزيتين، كان يترقرق حزنٌ عتيق، أقدم من الحضارة التي بنتها عائلتها في جيبور، وأثقل من الخرسانة التي تصممها هنا. خلفها بمسافة آمنة، ولكنها حميمة بشكل مفرط، كان يجلس "ليام". الشاب الأسترالي ذو الشعر الأشقر الفوضوي والعيون التي تشبه المحيط في يوم صافٍ. كان يراقب انحناءة كتفيها بأسى صامت. لم يكن مجرد زميل عمل؛ كان هو النسمة التي تسللت إلى رئتيها المتعبتين من دخان البخور والتقاليد الصارمة. بدأت قصتهما في غرفة المخططات، بين أكوام من الورق الأزرق ورائحة القهوة السوداء. لم تكن قصة حب صاخبة، بل كا...

مقبرةُ النبضِ العائد


هل يمكن للقلب أن يتوقف عن النبض بينما الجسد يسير في شوارع الرياض؟ إليكم حكاية رجل مات مرتين على يد امرأة واحدة، في قصة واقعية تكشف كيف يصبح الوفاء لعنة والخيانة فناً.



مقبرةُ النبضِ العائد

في مدينةٍ لا تنام، حيث تذوبُ الحكايات تحت أضواء طريق الملك فهد الصاخبة، وتختبئ الدموع خلف زجاج السيارات المظلل، كان "فيصل" رجلاً يمشي بين الناس بجسدٍ كامل، لكن بروحٍ نُحرت مرتين. لم تكن الرياض مجرد مدينة بالنسبة له، بل كانت مسرح الجريمة الكبرى، والشاهد الصامت على اغتيال قلبه بيدِ امرأةٍ واحدة، أتقنت فن الإحياء لتمارس فن القتل ببراعةٍ أشد.

بدأت الحكاية في شتاء الرياض القارس، ذلك الشتاء الذي يتسلل إلى العظام ويوقظ الحنين. كان فيصل مهندساً معمارياً يرى في الخطوط والزوايا ثباتاً يفتقده البشر. التقى بـ "سارة" في معرضٍ فني بحي جاكس؛ كانت لوحةً تمشي على قدمين، عيناها تختزلان ليل نجدٍ كله، وصوتها يحمل بحةً دافئة تذيب جليد الوحدة. أحبها فيصل باندفاعِ من لم يلمس النار يوماً، حبّاً نقياً، جارفاً، ومتهوراً. بنى لها في خياله قصوراً من الوعود، ورسم مستقبلاً لا يسكنه سواهما.

كانت سارة تبادله الشغف، أو هكذا خُيّل إليه. كانت رسائلها قصائد، ونظراتها وعوداً أبدية. لكن الخنجر الأول جاء بارداً، مباغتاً، وبلا رحمة. في ليلةٍ ممطرة، وبينما كان فيصل ينتظرها في مقهاهما المفضل ليقدم لها خاتم الخطبة، وصلته رسالة نصية قصيرة، جافة كصحراء الربع الخالي: "سامحني، الواقع أقوى منا. وافقتُ على ابن عمي.. لا تنتظرني". لم تكن مجرد رسالة، كانت رصاصة اخترقت صدره. مات فيصل للمرة الأولى في تلك الليلة. ماتت براءته، ثقته، وقدرته على رؤية الألوان. تحول إلى تمثالٍ من جليد، يمارس طقوس الحياة بآلية مرعبة، بينما روحه دُفنت تحت ركام تلك الرسالة.

مرت ثلاث سنوات. ثلاث سنوات عجاف حولت فيصل إلى رجلٍ آخر؛ أكثر صلابة، أكثر حذراً، وأشد انغلاقاً. نجح في عمله بشكلٍ مذهل، فالألم وقودٌ عظيم للإنجاز. ظن أنه نسي، أو تناسى، وأن سارة أصبحت مجرد ندبة قديمة لا تؤلم إلا عند تغير الطقس. لكن الأقدار في قصص العشاق لا تعرف الرحمة، بل تهوى اللعب بالنار.

عادت سارة. لم تعد صدفة، بل سعت هي إليه. وجدها تقف أمام مكتبه ذات صباح، ليست تلك الفتاة المرفهة، بل امرأة مكسورة، بعينين تملؤهما الهزيمة. كانت مطلقة، تحمل خيبتها وتطلب الغفران. قالت له بصوتٍ يرتجف: "كنتُ صغيرة، كنتُ غبية، أجبروني ولم أملك شجاعة الرفض. لم أحب يوماً سواك، وعدتُ إليك لأرمم ما كسرته".

قاوم فيصل. قاوم بكل ما أوتي من عقل ومنطق وكبرياء. كيف يلدغ المرء من الجحر ذاته مرتين؟ كيف يفتح الباب لمن حرق المنزل؟ لكن دموعها كانت حمضاً يذيب دروعه. كان حبها في دمه، مرضاً مزمناً لا شفاء منه. ومع مرور الأيام، وتكرار اللقاءات، ولين الكلام، بدأ الجليد يتشقق. استطاعت سارة بذكاءٍ أنثوي خارق أن تعيد بناء الثقة حجراً حجراً. جعلته يشعر أنها الضحية، وأن الحياة ظلمتهما معاً، وأن القدر يمنحهما فرصة ثانية نادرة لا تُمنح إلا للمحظوظين.

وهكذا، دبت الحياة في الجسد الميت. عاد فيصل ليحبها، ولكن هذه المرة كان الحب أعمق، أثقل، ومخضباً بالخوف. كان حباً ناضجاً يدرك قيمة الفقد. فتح لها خزائن روحه من جديد، سلمها مفاتيح حصونه التي شيدها بدموع الليالي. خططوا للزفاف، واختاروا الأثاث، وحجزوا القاعة. كان فيصل يطير فوق سماء الرياض، يظن أن العدالة الإلهية قد أنصفته أخيراً.

وقبل موعد الزفاف بأسبوع، حدثت الكارثة التي لا يستوعبها عقل. الوفاة الثانية التي لم تترك للجثة مجالاً للتعرف على هويتها. كان فيصل في شقتها يضع اللمسات الأخيرة على ترتيبات نقل أغراضها، حين رن هاتفها المتروك على الطاولة. رسالة واردة أضاءت الشاشة، والاسم لم يكن غريباً. كان اسم طليقها "سعود". والرسالة لم تكن عادية: "الخطة نجحت. حولت المبلغ لحسابك. اتركي الغبي وتعالي، التذاكر جاهزة للمالديف".

تجمّد الدم في عروق فيصل. لم يكن موتاً بطيئاً هذه المرة، بل كان انفجاراً نووياً في منتصف الروح. دخلت سارة الغرفة، ورأت وجهه الشاحب والهاتف بيده. لم تنكر، لم تبكِ، لم تتوسل. وقفت ببرودٍ مرعب، وقالت جملة واحدة مزقت حجاب الواقع: "كنت بحاجة لمن يرمم ثقتي بنفسي بعد الطلاق، ولم أجد مرآة تعكس جمالي أفضل من عينيك.. وسعود دفع مهراً لا تستطيع أنت توفيره في عشر سنوات. نحن لا نعيش بالحب يا فيصل".

في تلك اللحظة، لم يصرخ فيصل. لم يضربها. لم يفعل شيئاً سوى أنه انطفأ. سقط شيءٌ ثقيلٌ بداخله، صوت ارتطام هائل لم يسمعه أحد سواه. خرج من الشقة بهدوء تام، نزل السلالم وكأنه شبح. قاد سيارته في شوارع الرياض المزدحمة، والمدينة كلها تبدو له كلوحة سريالية مشوهة. مات فيصل للمرة الثانية، لكنها كانت الميتة النهائية. الأولى قتلته كعاشق، والثانية قتلته كإنسان. الخيانة الأولى كانت ضعفاً، أما الثانية فكانت استثماراً في مشاعره، ذبحاً متعمداً على قبلة الإسلام.

اليوم، إذا مررت بأحد مقاهي التحلية الفاخرة، قد تلمح رجلاً وسيماً، يرتدي أفخر الثياب، يجلس وحيداً يحدق في الفراغ. يظن الناس أنه يتأمل المارة، لكنه في الحقيقة ميتٌ يرفض جسده أن يسقط، رجلٌ مات مرتين بخنجرٍ واحد، وتعيش قاتلته حرةً ترفل في نعيم خيانتها، بينما هو يدفع ثمن صدقه في زمنٍ أصبح فيه الوفاء خطيئة لا تُغتفر.